ابن إدريس الحلي
209
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان
وقوله « ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً » أي : أشكالا ، لان الزوج هو الذي معه آخر من شكله ، فالاثنان زوجان . « وما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى ولا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِه » معناه : ليس تحمل الأنثى من حمل بولد ، ولا تضعه لتمام أو لغير تمام الا واللَّه تعالى عالم به ، لا أن علمه آلة في ذلك ولا يدل ذلك على أن له علما يعلم به ، لان المراد ما ذكرناه ، من أنه لا يحصل شيء من ذلك الا وهو عالم به . وقوله « وما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ » فالعمر مدة الأجل للحياة ، وهو تفضل من اللَّه تعالى على خلقه ، يختلف مقداره بحسب ما يعلم من مصالح خلقه ، كما يختلف الغنى والفقر والقوة والضعف . فصل : قوله « وما يَسْتَوِي الأَعْمى والْبَصِيرُ » الآية : 19 . معناه : لا يتساوى الأعمى عن طريق الحق والعادل عنها . والبصير الذي يهتدي إليها قط ، لان الأول يستحق العقاب ، والثاني يستحق الثواب . فصل : قوله « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّه ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ » الآية : 32 . الاصطفاء الاختيار بإخراج الصفوة من العباد . ومعنى الآية أن اللَّه تعالى أورث علم الكتاب الذي هو القرآن الذين اصطفاهم واجتباهم واختارهم على جميع الخلق من الأنبياء المعصومين ، والأئمة المجتبين الذين لا يجوز عليهم الخطأ ولا فعل القبيح لا صغيرا ولا كبيرا ، ويكون قوله « فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِه » راجعا إلى عباده . وتقديره : فمن عبادنا ظالم لنفسه ، ومن عبادنا مقتصد ، ومن عبادنا سابق بالخيرات لان من اصطفاه اللَّه تعالى لا يكون ظالما لنفسه . ولا يجوز أن يرجع الكناية إلى الذين اصطفينا .